السيد كمال الحيدري

416

المذهب الذاتي في نظرية المعرفة

اللذة وبغض الألم . ولا يمكن تكليف الإنسان أن يتحمّل مختاراً مرارة الألم دون شيء من اللّذة في سبيل أن يلتذّ الآخرون ويتنعّموا إلا إذا سُلبت منه إنسانيته وأعطي طبيعة جديدة لا تتعشّق اللذة ولا تكره الألم . وحتى الألوان الرائعة من الإيثار التي نشاهدها في الإنسان ونسمع بها عن تاريخه تخضع في الحقيقة أيضاً لتلك القوّة المحرّكة الرئيسية ( غريزة حبّ الذات ) فالإنسان قد يؤثر ولده أو صديقه على نفسه وقد يضحّي في سبيل بعض المثل والقيم ، ولكنّه لن يقدم على شيء من هذه البطولات ما لم يحسّ فيها بلذّة خاصّة ومنفعة تفوق الخسارة التي تنجم عن إيثاره لولده وصديقه أو تضحيته في سبيل قيمة يؤمن بها . فمتى أردنا أن نغيّر من سلوك الإنسان شيئاً يجب أن نغيّر من مفهوم اللذة والمنفعة عنده ونُدخل السلوك المقترح ضمن الإطار العامّ لغريزة حبّ الذات . فإذا كانت غريزة حبّ الذات بهذه المكانة من دنيا الناس وكانت الذات في نظر الإنسان عبارة عن طاقة مادّية محدودة وكانت اللذة عبارة عمّا تهيّئه المادّة من مُتع ومسرّات ، فمن الطبيعي أن يشعر الإنسان بأنّ مجال كسبه محدود وأن شوطه قصير وأن غايته في هذا الشوط أن يحصل على مقدار من اللذة المادّية ، وطريق ذلك ينحصر بطبيعة الحال في عصب الحياة المادّية وهو المال الذي يفتح أمام الإنسان السبيل إلى تحقيق كلّ أغراضه وشهواته . هذا هو التسلسل الطبيعي في المفاهيم المادّية الذي يؤدّي إلى عقلية رأسمالية كاملة . فالخطر على الإنسانية يكمن كلّه في تلك المفاهيم المادّية وما ينبثق عنها من مقاييس للأهداف والأعمال . من هنا وضع الإسلام يده على نقطة الداء الحقيقية في النظام